حردان التكريتي ووقفة مع رسائله الشهيرة للبكر.. | أنكيدو بريس
حردان التكريتي ووقفة مع رسائله الشهيرة للبكر..
  • الإثنين, يناير 25th, 2021
حجم الخط

((مقال مهم نشر اليوم الاحد للكاتب سعد محمود شبيب في صفحة ذاكرة عراقية بالمشرق عن خيانات البكر لرفاق دربه))

حردان التكريتي ووقفة مع رسائله الشهيرة للبكر..
بقلم /سعد محمود شبيب
يمكن لنا أن نعد الفريق الطيار حردان التكريتي واحدا من الرجال النادرين في تأريخ العراق ، من حيث شجاعته النادرة وصعوبة رضاه بالواقع ان كان باطلا ، وتمرده حتى على انظمة الحكم التي ساهم مساهمة كبرى في تشييدها
وحردان هو بلا أدنى منازع رفيق درب أحمد حسن البكر، والبكر بلا أدنى منافس يعد ّ من رسم مصير العراق والاحداث التي عاشها العراقيون منذ عام 1963 حتى سقوط البعث سنة 2003، وما زالوا يعيشون آثارها حتى هذا اليوم ..
ولد الفريق حردان عبد الغفار التكريتي عام 1925 في مدينة تكريت لأسرة كادحة، وأتم دراسته الابتدائية والمتوسطة في تكريت، والإعدادية في الرمادي .. وقد نشأ في بيئة فلاحيه وتشرب بقيم القرية فلم يحد عنها ، عرف بميله للرياضة والخطابة ، دخل الكلية العسكرية عام 1946 وتخرج منها سنة 1949 برتبة ملازم ، ثم أنهى دورة للطيران وتخرج منها بتفوق سنة 1952 ..
انتمى الى تنظيم الضباط الأحرار عقب العدوان الثلاثي على مصر وساهم بشكل فاعل في ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 عبر مشاركته في السيطرة على معسكر الرشيد ، أبدى اعتراضا كبيرا على تغلغل الشيوعيين في مفاصل العهد الجمهوري الأول، فتم توقيفه عقب حركة الشواف وتقديمه للمحاكمة، الا أن المحكمة أثبتت براءته فاعتذر له الزعيم عن ذلك وعين ضابط ركن مقر القوة الجوية في وزارة الدفاع ، ثم امرا للقاعدة الجوية في كركوك والموصل معا ، حيث أتاح له هذا المنصب المساهمة الفاعلة في انقلاب الثامن من شباط عام 1963…
كما وكان من ضمن المتواجدين في دار الإذاعة مع قادة الانقلاب عند إعدام الزعيم ، وله دور في انقاذ حياة المقدم قاسم الجنابي مرافق الزعيم من الإعدام .. وقد عين قائدا للقوة الجوية .
أبدى الفريق حردان اعتراضا شديدا على ممارسات الحرس القومي البعثي الدموية واصطف الى جانب عبد السلام عارف في القضاء عليه في تشرين الاول عام 1963 ليعين وزيرا للدفاع في وزارة طاهر يحيى، غير أنه أقصي من منصبه نهاية شهر كانون الثاني عام 1964 بعد إعفاء استاذه البكر من منصب نائب الرئيس ..
وقد ظل حردان ملازما للبكر ومساندا له منذ طوال السنوات المحصورة بين أعوام 1964 ، فهو إما أن يكون متواجدا في بيت البكر بمنطقة علي الصالح أو يتواجد البكر في داره ، حتى تنفيذ انقلاب السابع عشر من تموز 1968 ..
حردان والبكر والانقلاب الحاسم.

مما لاشك فيه أن انقلاب السابع عشر من تموز قام على أكتاف ستة ضباط ، هم البكر وحردان وصالح مهدي عماش ، وعبد الرزاق النايف وابراهيم الداوود اضافة الى سعدون غيدان الذي لولاه لقبرت الحركة في مهدها ..
أما الفريق حردان فكان من أوائل الذين اقتحموا القصر الجمهوري ليلة الانقلاب ، وله دوره بارز في السيطرة على أرجائه حيث أبدى جرأة وشجاعة كبيرتين أشاد بها صدام نفسه بعد سنوات طوال ، وذلك في تسجيل صوتي اذاعي مازال صاحب هذه السطور يحتفظ به ..
كتب بيان السابع عشر من تموز بلغة عربية رصينة وأذاعه بنفسه ، وعين عضوا في مجلس قيادة الثورة رئيسا لأركان الجيش ، فوزيرا للدفاع ونائبا لرئيس الوزراء ، ثم أصبح نائبا لرئيس الجمهورية حتى أعفي من مناصبه جميعا ..
كلمة الحق وحياة بين مد وجزر .

إن المتابع لسيرة الفريق حردان يجدها متباينة للغاية ارتقاء وهبوطا ، فخطُّ حياته البياني يتأرجح بين : (ضابط طيار ، معتقل ، آمر قاعدة جويه ، قائد القوة الجوية ، وزير دفاع ، سفير، رئيس أركان الجيش ، وزير الدفاع ثانية ، نائب رئيس الجمهورية ، سفير .. ) وهي حالة نادرة لم تتكرر مع سواه.
ولربما يعد هذا الضابط هو أول مسؤول كبير اكتشف – قبل ناظم كزار – أن الذي يحكم هو ليس حزب البعث ، بل عشيرة تلبست بلبوس البعث ، وليس من المعقول أن يسهم بالقضاء على الحكم الملكي ومن ثم حكم عارف ، وينصب البكر سيدا على القصر، كي تستبدل الملكية بعشائرية متخلفة تتجسد بأبناء عمومة البكر وأرحامه وهم ماكثون في حجرات هذا القصر وممراته الطويلة المتداخلة ، دون أن يكون لمعظمهم أي دور في الانقلاب أو أي تأريخ سوى صلة القرابة .
هذا فضلا عن وقوفه المُعارض للمارسات اللا إنسانية ضد خصوم (الثورة) في قصر النهاية ، إذ أن كثيرا من المعتقلين لا علاقة لهم بالتهم الموجهة إليهم، وهم يتعرضون الى ممارسات لا إنسانية لغرض انتزاع الاعترافات ، فتكون مصائرهم اما الإعدام أو الموت في التحقيق ، ومن كان ذا حظ عظيم فينجو ويطلق سراحه وهو معاق ، وذلك ما يتنافى والحياة الجديدة التي وعد بها بيان الانقلاب .

وقفة ورسائله لرفيق دربه البكر ..
ابتدأت سلسلة الرسائل من لدن الفريق حردان الى الرئيس البكر منذ مطلع تشرين الاول عام 1970 حتى اغتياله في نهاية اذار سنة 1971 وبواقع ثلاث عشرة رسالة عقب نفيه الى الجزائر ، حيث بُلغ بقرار إعفائه من منصب نائب الرئيس وهو يترأس وفدا الى اسبانيا ..
كانت الرسائل مطولة ذات تفاصيل كثيرة ومتشعبة ومتنوعة ، بل أن الرسالة الثانية بالتحديد استغرقت عشرات الصفحات وتصلح لتكون كراسا لوحدها ، ويمكن تلخيص ما جاء فيها بوصفه هذه الرسائل أنها شخصية وليست رسمية، يخاطب فيها رئيسه بالأخ والعزيز ويتمنى فيها له الخير ، وفيها استذكار لكل صغيرة وكبيرة في حياتهما العسكرية والسياسية معا قبل انقلاب 17 تموز ، وشرح مسهب لمحاولات إقصائه من مناصبه لا سيما منصب وزير الدفاع الذي تسنمه بدلا عنه الفريق حماد شهاب ، وكيف كانت عملية اقصائه غير لائقة وهو في اسبانيا وما لقيه من مصاعب جمة خلال طريقه الى منفاه القسري بدءا بمدريد ومرورا باثينا ولبنان ووطنه الذي رفض استقباله ومن ثم الجزائر، وقد طالبه في الرسالة الثانية بإلحاق أهله به ، وعاد في الثالثة ليشرح كيف وصل أولاده الستة الى الجزائر وكيف بلغوها يتامى وقد تلقت أمهم حقنة مميتة في مطار بغداد ثم يعود لمسألة عزله ، وتحذيره من الممارسات التعسفية ضد الشعب ..
ويرجع في الرسالة الخامسة ليشرح للبكر ملابسات عدم مشاركة الجيش العراقي في إسناد الفلسطينيين أثناء واقعة أيلول المعروفة ، وهكذا حتى بلوغ الرسالة الأخيرة التي أرسلها من الكويت ، اذ تضمنت نفس الأمور السابقة من وصف للوعة الظلم وسوء الجزاء ، وسرد لكيفية قطع مرتبه الشهري دون وجه حق، مع تحذيره للبكر من سوء المصير ، والعتب المر ووصف مسهب للمعاناة ومرارة الغربة ومصادرة الأملاك، وهذه الرسالة كانت بتأريخ 29 شهر آذار عام 1971 أي قبل اغتياله بيوم واحد !
إن المتمعن في هذه الرسائل، يستنتج ببساطة مدى تعلق ومحبة حردان للبكر وكيف بقي يعده أخا كبيرا وقدوة ومعلما ولم يزل يرتجي منه الخير والإنصاف ، لكننا نلاحظ وبشكل لا يقبل الجدل ، كيف أن الرئيس لا يبادله هذا الشعور مطلقا ، بل يكنّ له العداء والبغض والرغبة في قتله وبشكل واضح لا يحتاج الى دليل ..
ومن هنا، فانا نستغرب أشد الاستغراب من استمرار المرحوم حردان في التراسل مع إنسان لا يكلف نفسه مجرد الإجابة عن أية رسالة منه ولو بسطر، ليس بدافع العجز بل لعدم الرغبة ، وقد قيل أن الطلب لمرة يعد عزا ، وفي الثانية مثلبة وعجزا ، فكيف لو أعيد نفس الكلام ثلاث عشرة مرة دون أن يلقى غير التجاهل ..
ولو افترضنا جدلا أن البكر قد تحول بين ليلة وضحاها الى حمل وديع ، ودب في قلبه الحب والحنين لصديقه واستجاب لطلبه وقرر السماح بعودته الى العراق، فكيف سيكون شكل حياته والمعيشة مع ( رفاق) لقي منهم ما لم يلقه انسان من جمع ذئاب ؟
لقد نفذت سنوات المرحوم حردان مع نفاذ حبر رسالته الأخيرة ، وهو يخبر البكر بأنباء تواجده في الكويت معتبرا اياه لم يزل أخا وصديقا ، في حين اتخذ البكر هذه الأنباء وسيلة تعينه على قتل مرسلها .. وتيسّر السبيل إليها ..
ولنا أن نقول أخيرا كلمة للتأريخ : (( كان يمكن للفريق حردان أن يلتزم جانب الصمت حيال كل ما يرى ، وان يعيش حياة الملوك متنعما بمناصبه الكبيرة والامتيازات الضخمة وهو ابن تكريت والقريب من أبناء القرية ، لكنه بقي ملتزما بالقيم التي ربي عليها من حيث إباء الظلم ونبذ العنف والقسوة مع الخصوم أيا كانوا ، كما وأن جميع ما ورد في هذه الرسائل هو مثال للمصداقية والوفاء وعدم التجني على أحد ، وكلّ ما تنبأ به للبكر قد تحقق وبشكل أبشع مما تصوره الأخير ، حين وجد (الأب القائد) نفسه في النهاية مجردا من كل شيء غير أمراضه وأحزانه وجراحاته ، تنتظره إبرة الثاليوم التي حُقنت بها زوجة حردان .. أول شهيدة على يد صدام وعصابته )) من ذاكرة عراقية بالمشرق

مواضيع قد تعجبك

أترك تعليق

إستفتاء جاري حاليا

بحث في الموقع

ما رأيك فى إنطلاقة إنكيدو بريس

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

عالم وعلم