الكبش.. والعرش | أنكيدو بريس
الكبش.. والعرش
  • الأربعاء, أبريل 28th, 2021
حجم الخط

*الكَبشُ…و…العَرشُ..*

أ.د. ضياء واجد المهندس

كان الكبشُ الأبيضُ المرقَّطُ بالسَّواد على كتفه يتأملُ قطيعَ الغنم، ينظرُ بفَخرٍ أمامَ النِّعاجِ اللواتي يعرفنَ فحولتَه، و الخِراف الذين جرَّبوا نطحه و ضرباته، قالَ: لن أقبلَ بعد اليوم أن نكونَ مجرَّد قَرابينَ للبشر، يضحُّون بنا في حَجِّهم، و يقدِّمونَنا لضيوفهم، و يذبحونَنا لنذورهم، و يشتمون بنا بعضَهُم ببعَضٍ، و يقولونَ: بلدَ خِرافٍ، و شعبَ خِرافٍ، هل خُلقنا لكي نُذبَحَ و نُقَدَّمَ على أطباقٍ للبشرِ؟!..
مِنَ الآن ستكونُ لنا رسالةً، سنحيا لنُقدِّمَ لأنفسنا و أبنائنا دولةً و مجتمعًا أنظف وأنزه و أعدل و أرقى من البشر الجزَّارين..
لاحظَ الكَبشُ الثائرُ أنَّ الخِرافَ بدأت بالتراجعِ نحوَ الخَلفِ في زوايا الزريبةِ، حينها أدركَ أنَّ الجَزَّارَ قد جاء بكلاليبه و سكاكينه..
كانت الخطوةُ الأولى للكبشِ الثائرِ هيَ المواجهة، ليزرَعَ في أبناء جِلدَتِهِ الصوفيةِ القوةَ و العزيمةَ و الإصرارَ و المبادرةَ على التحرُّرِ…
حاولَ الجزَّارُ أن يَسحبَ الكَبشَ الثائرَ ليكونَ الذَّبيحةَ الأولى، و عِبرَةً لمَن يحاولُ إثارةَ الشَّغَبَ على عَرشِ الجَزَّارِ ، إلَّا أنَّ مُقاومَةَ الكَبشِ و نَطحِهِ و إصرارِهِ على الإفلاتِ من قَبضةِ الجَزَّارِ أنهكَت الجزَّارَ و جعلتهُ يختارُ كبشًا آخرَ كانَ مُسالِمًا ذهب صاغِرًا نحوَ مصيرِهِ المحتوم و هو ينظرُ إلى البقيَّةِ بحُزنٍ و إلى الكَبشِ الثائرِ بحسرَةٍ و استسلامٍ…
في المساءِ قرَّرَ الكَبشُ الثائرُ أن يبدأَ الخُطوةَ الثانيةَ: الهجومَ و الإفلاتَ من الجَزَّارِ، قامَ الكَبشُ الثائرُ بكَسرِ سِياجٍ مُتَهَرِّئٍ، و صاحَ: أيها الخرافُ، يا أهلي، إنطلقوا نحوَ الحريةِ، لقد كسرتُ قيودَ سجنكم و احتجازكم.. لم ينطلق معهُ إلا بِضعة خرافٍ و نعاجٍ، و كانوا يُقدِّمونَ خُطوةً و يَتعثَّرونَ في خُطوةٍ، و كانَ التَّرَدُّدُ و الخوفُ يَطبعُ آثارَهُ على آثارِ أقدامِهِم. تراجعَ القَطيعُ إلى الخَلفِ في الزَّريبةِ، قالَ كَبشٌ كَهلٌ: لقد جئتَنا شيئًا نُكرًا، ما فَعَلَهُ أحدٌ من آبائِكَ الأوَّلينَ، قالت نعجةٌ: إنكَ تُثيرُ فِتنَةً بين الأغنام، وتجلبُ علينا غضبَ سيِّدِنا الجَزَّارِ، و نخشى أن يقطعَ علينا الماءَ و الكلأَ. قال كبشٌ آخَرٌ: إنَّ قَدَرَنا أن نكونَ أضاحيَ و قرابينَ مُنذُ آلافِ السِّنينَ، فَدَع الحريةَ للإدميِّينَ، لقد خلقَهُمُ اللهُ تعالى أحرارًا و مع هذا فإنَّ معظمهم عبيدٌ لبعضِ الطُّغاةِ و الظَلَمَةِ و المُحتلِّينَ..
أيقنَ الكَبشُ الثائِرُ أن يبدأَ الخُطوةَ الثالثةَ: مُشارَكةَ القطيعِ و تحفيزَهُم للثورةِ، فدخلَ الزَّريبةَ و أخذَ يهتف: أيها الشُّجعان من النِّعاج و الخِرفان، أُناديكُم لتثوروا على ظُلْمِ و قَتْلِ و إبادةِ الجزَّارينَ البَشَرِ، هُم يَذبحونَ بعضَهُم بَعضًا من أجل السلطة و المال و الجنس، و يذبحونَنا من أجل الأضحية و القرابين و النذور و الشراهة في الطعام، لماذا لا يكونوا نباتيَّين؟!، لماذا لا يأكلونَ النمورَ و الفهودَ و الأسودَ؟!..
لم يتقدَّم لِدَعمِ الكَبشِ الثائرِ إلَّا بعض الخِراف والنعاح، أما الباقونَ فانزَوا في ركنٍ بعيدٍ..
قال الكَبشُ الثائرُ لهم: أيها الجبناء الذين إرتضَوا الذُّلَ و العبوديةَ و المَهانةَ و الذَّبحَ لن تكونوا أحرارًا، و ستُورِّثونَ خِرافَكم و نعِاجَكم العبوديةَ و الذُّلَّ..
إشتَدَّ الخلافُ بين الكَبشِ الثائرِ و بقيَّةِ الخِرافِ الذي تحوَّلَ إلى عِراكٍ و نَطحٍ، و انتهى بالكبشِ الثائرِ قتيلًا، و جَرحِ عددٍ كبيرٍ من الخِرافِ.
جاءَ الجزَّارُ و سحبَ الكَبشَ الثائرَ و هوَ يُثَمِّنُ موقفَ الخِرافِ في البَقاءِ في الزريبةِ قائلًا لهم: أشكركم، سآتيكُم بالماء و العلف، لن أسحبكم بقوةٍ بعد الآن، عليكم أن تقفوا بالطابور و كلُّ واحدٍ يأتيني متى ما أشرتُ لهُ…
قامت نعجةٌ مجروحةٌ مناصرةٌ بجَمعِ صوف و بقايا الكَبشِ الثائرِ ليكونَ نَصبًا تَذكاريًّا له، و قالت للقطيع: كُلُّكُم تعرفونَ الكَبشَ الثائرَ لو كانَ يرغَبُ بقتلِكم لقتلَكم جميعًا، و لكن جرَحَكُم أجمعينَ لتكون جروحَكُم نياشينَ، تذكِّركم بخيانتكم و جُبنكم و عبوديتكم، مات منطوحًا و سيذبحه الجزار ُو يدَّعي أنه ذبحَ كبشًا حيًّا، لأنَّ الجزارَ بلا ضميرٍ و لا ذِمَّةٍ و لا دِينٍ..
أيها الخرافُ العبيدُ لقد مَنحَكُم فرصةً للحرية و النجاة، و لكنكم إرتضَيتم العبوديةَ و جُبِلتم عليها..
يا أغنامُ لو قدَّم اللهُ لكم الحريةَ طعامًا لأعلنتُم الصيامَ…
أيها الخرافُ الجبناءُ لقد لحقتم بكثيرٍ من البشرِ الرَّعاديد الذين يمشون جنب الجدار و الخيام، و يخشون الطغاةَ حتى في الظلامِ، و ليس له من دنياهم إلا الزَّادَ و النِّيامَ…

أقولُ ..لنا و للعراق و لأهلنا ربٌّ يُلهمنا القوةَ، و يجعلنا من أهل التغييرِ و الثورة..

أ.د. ضياء واجد المهندس
مجلس الخبراء العراقي.

مواضيع قد تعجبك

أترك تعليق

إستفتاء جاري حاليا

بحث في الموقع

ما رأيك فى إنطلاقة إنكيدو بريس

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

عالم وعلم